صفي الرحمان مباركفوري
397
الرحيق المختوم
هو وأصحابه في نشر الإسلام ، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية ودوريات عسكرية متتابعة متواصلة . . . تذهب هذه المكاسب بغير جدوى . كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرف كل ذلك جيدا ، ولذلك قرر القيام - مع ما كان فيه من العسرة والشدة - بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم ، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام . الإعلان بالتهيؤ لقتال الرومان ولما قرر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الموقف أعلن في الصحابة أن يتجهزوا للقتال ، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم ، وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها ، ولكنه نظرا إلى خطورة الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان ، وجلى للناس أمرهم ، ليتأهبوا أهبة كاملة ، وحضهم على الجهاد ، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلاد ، وتحثهم على القتال . ورغبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بذل الصدقات ، وإنفاق كرائم الأموال في سبيل اللّه . المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو ولم يكن من المسلمين أن سمعوا صوت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو إلى قتال الروم إلا وتسابقوا إلى امتثاله ، فقاموا يتجهزون للقتال بسرعة بالغة ، وأخذت القبائل والبطون تهبط إلى المدينة من كل صوب وناحية ، ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة - إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفر - حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ ليخرجوا إلى بقتال الروم ، فإذا قال لهم : لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ » [ التوبة : 92 ] . كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات . كان عثمان بن عفان قد جهز عيرا للشام ، مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ، ومائتا أوقية ، فتصدق بها ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره صلى اللّه عليه وسلم ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقلبها ويقول : « ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم » « 1 » ، ثم تصدق وتصدق ، حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود . وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة ، وجاء أبو بكر بماله كله ، ولم يترك
--> ( 1 ) جامع الترمذي . مناقب عثمان بن عفان 2 / 211 .